ابن كثير
385
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وفي صحيح مسلم عن أنس رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أنا أول من تنشق عنه الأرض » « 1 » ، وقوله عز وجل : ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ أي تلك إعادة سهلة علينا ، يسيرة لدينا كما قال جل جلاله : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ القمر : 50 ] . وقال سبحانه وتعالى : ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [ لقمان : 28 ] وقوله جل وعلا : نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ أي نحن علمنا محيط بما يقول لك المشركون من التكذيب فلا يهولنك ذلك كقوله : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ الحجر : 97 - 99 ] . وقوله تبارك وتعالى : وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ أي ولست بالذي تجبر هؤلاء على الهدى ، وليس ذلك مما كلفت به . وقال مجاهد وقتادة والضحاك وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ أي لا تتجبر عليهم ، والقول الأول أولى ، ولو أراد ما قالوه لقال : ولا تكن جبارا عليهم ، وإنما قال : وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ بمعنى وما أنت بمجبرهم على الإيمان إنما أنت مبلغ ، وقال الفراء : سمعت العرب تقول جبر فلان فلانا على كذا بمعنى أجبره ، ثم قال عز وجل : فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ أي بلغ أنت رسالة ربك فإنما يتذكر من يخاف اللّه ووعيده ويرجو وعده ، كقوله تعالى : فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [ الرعد : 40 ] وقوله جل جلاله : فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [ الغاشية : 21 - 22 ] لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 272 ] إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ القصص : 56 ] ولهذا قال تعالى هاهنا : وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ كان قتادة يقول : اللهم اجعلنا ممن يخاف وعيدك ويرجو موعودك يا بار يا رحيم . آخر تفسير سورة ق والحمد للّه وحده وحسبنا اللّه ونعم الوكيل .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الفضائل حديث 3 .